السيد الطباطبائي
36
تفسير الميزان
حياة المعرفة في روحه ولم يتمكن نور الهداية الإلهية من قلبه ، وإن كان عاملا بالشريعة المحمدية صلى الله عليه وآله وسلم التي هي أكمل الشرائع وأوسعها ، فمن الجائز أن يستهدي صاحب المقام الداني من أهل الشريعة الكاملة ويسأل الله الهداية إلى مقام صاحب المقام العالي من أهل الشريعة التي هي دونها . ومن أعجب ما ذكر في هذا المقام ، ما ذكره بعض المحققين من أهل التفسير جوابا عن هذه الشبهة : ان دين الله واحد وهو الاسلام ، والمعارف الأصلية وهو التوحيد والنبوة والمعاد وما يتفرع عليها من المعارف الكلية واحد في الشرائع ، وانما مزية هذه الشريعة على ما سبقها من الشرائع هي ان الاحكام الفرعية فيها أوسع واشمل لجميع شؤون الحياة ، فهي أكثر عناية بحفظ مصالح العباد ، على أن أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من الحكمة والموعظة والجدال الأحسن ، ثم إن الدين وان كان دينا واحدا والمعارف الكلية في الجميع على السواء غير أنهم سلكوا سبيل ربهم قبل سلوكنا وتقدموا في ذلك علينا ، فأمرنا الله النظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه هذا . أقول : وهذا الكلام مبنى على أصول في مسلك التفسير مخالفة للأصول التي يجب أن يبتني مسلك التفسير عليها ، فإنه مبني على أن حقائق المعارف الأصلية واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب والدرجات ، وكذا سائر الكمالات الباطنية المعنوية ، فأفضل الأنبياء المقربين مع أخس المؤمنين من حيث الوجود وكماله الخارجي التكويني على حد سواء ، وإنما التفاضل بحسب المقامات المجعولة بالجعل التشريعي من غير أن يتكي على تكوين ، كما أن التفاضل بين الملك والرعية إنما هو بحسب المقام الجعلي الوضعي من غير تفاوت من حيث الوجود الانساني هذا . ولهذا الأصل أصل آخر يبنى عليه ، وهو القول بأصالة المادة ونفى الأصالة عما ورائها والتوقف فيه إلا في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل ، وقد وقع في هذه الورطة من وقع لاحد أمرين : إما القول بالاكتفاء بالحس اعتمادا على العلوم المادية وإما إلغاء التدبر في القرآن بالاكتفاء بالتفسير بالفهم العامي . وللكلام ذيل طويل سنورده في بعض الأبحاث العلمية الآتية إن شاء الله تعالى .